انهيار الاقتصاد العالمي قريبا

كتابة نهى نبيل - تاريخ الكتابة: 28 أغسطس, 2018 7:23
انهيار الاقتصاد العالمي قريبا

انهيار الاقتصاد العالمي قريبا وهل ينفجر النظام الدولي قريباً وهل العالم فى إنتظار أزمة مالية جديدة كل ذلك في هذه السطور التالية.

يشارف القطاع المالي العالمي على أزمة. فحاله اليوم من حاله في 2007. فالعجز المالي العام تفاقم في عدد كبير من الدول، والسياق الاقتصادي العام أكثر هشاشة اليوم، على رغم أنه يبدو أقوى تماسكاً مع التعافي الاقتصادي. والإجراءات المصرفية والمالية المنظمة التي التُزمت إثر أزمة الرهانات العقارية غير كافية، ولا تحول دون أزمة مالية مرتقبة- والاتحاد المصرفي الأوروبي ليس في منأى منها. وفي الأحوال السائرة، المؤشر الاقتصادي المجهري الذي وضعه الاقتصادي الأميركي، روبرت شيلر، يقيس أسعار الأسهم المالية على الأرباح التي توزعها شركة من الشركات، ويتراوح المؤشر غالباً بين 14 و17، ومتوسط عوائد الأصول يبلغ نحو 6 في المئة. ولكن اليوم الهوة كبيرة بين واقع الشركات الاقتصادي وبين رسملتها في البورصة. والمؤشر هذا يبلغ اليوم نحو 34 في أكبر 500 شركة أميركية. وهذا دليل على الهوة بين حال الشركات في الاقتصاد الفعلي وبين قيمتها في البورصة. فعوائد الأوراق المالية تبلغ نحو 3 في المئة، وهذه نسبة مطابقة لعوائد أصول من غير مخاطر، شأن عوائد سندات الخزينة. وهذه المطابقة تجافي المنطق وتخالفه. والمرة الأخيرة التي تجاوز فيها مؤشر شيلر مثل هذه العتبة كانت في عام 2000، عشية انفجار فقاعة الإنترنت. والهوة بين البورصة والاقتصاد يقابلها انفصال بين أسعار البورصة وبين الناتج المحلي. ومؤشرات سوق البورصة تجاوزت نظيرها في أزمة 2007، في وقت استعاد فيه الاقتصاد الغربي، أخيراً، مستويات متوسط العائد الفردي السابق، أي بلغ ما كان عليه في 2007.

هل ينفجر النظام الدولي قريباً؟

تنبأت مؤسسة بحثية أوروبية تسمى “المعمل الأوروبي للتوقعات السياسية 2020” بأن يشهد الأسبوع الثالث من شهر مارس الجاري، بداية أسوأ أزمة اقتصادية عالمية منذ أزمة عام 1929, وأن تصاحبها أصعب أزمة سياسية منذ سقوط حائط برلين عام 1989. ويقول تقرير المؤسسة إنه يبني تقديراته هذه على مسوح لسبعة مؤشرات كبيرة, هي وقوع تدهور شديد في الثقة بالدولار الأميركي كعملة احتياطيات دولية, وأزمة توازنات مالية في الولايات المتحدة الأميركية, وأزمة نفط, ومن ثم انفجار أزمة في القيادة الأميركية للعالم, فضلا عن أزمات العالم العربي والإسلامي, وأزمة الحكم في أوروبا, بل ووقوع أزمة حكم على المستوى العالمي. وسر تحديد الأسبوع الثالث من هذا الشهر لوقوع هذه الأزمة هو قرار البنك الفيدرالي الأميركي بوقف نشر البيانات الخاصة بمؤشر كمية النقود المعروف برمز “إم- 3” بدءا من يوم 23 من هذا الشهر, وقرار إيران ببدء عمل بورصة للنفط تقوم على اليورو وليس الدولار. ويتوقع أن تقود هذه العوامل إلى تدهور سعر الدولار بحيث يساوي اليورو بداية العام القادم 1.7 دولار وهو هبوط شديد من مستواه الحالي يؤدي إلى “تسونامي” نقدية ومالية حقيقية.
ومن وجهة نظر هذه المؤسسة فإن وقف بيع النفط الإيراني بالدولار سيقلل من الطلب عليه, ويعزز الاتجاه نحو انهيار الثقة العالمية في الدولار، كما أن قرار وقف نشر البيانات الخاصة بكمية النقود الإجمالية يقوي الشائعات بعودة السلطات النقدية الأميركية إلى طبع النقود, بقصد تحقيق سرقة حقيقية للديون الأميركية المستحقة للأجانب وخاصة الحكومات. ويقود هذا كله إلى انفجار أزمة ثقة تطيح بالاستقرار الاقتصادي وتدفع نحو انكماش مخيف, تضاعف الأزمة الإيرانية- الغربية من شدته.

هل تصدُق هذه التوقعات؟

لنوضح أولا أن هذه المؤسسة البحثية لا تعد من المراكز البحثية المسموعة في أوروبا. والأرجح أنها تنتمي إلى فصيل من المؤسسات الفكرية الرافضة للتكوين الراهن للنظام العالمي, ولنسق إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية الذي تأخذ به واشنطن بسبب نفوذ رأس المال المصرفي المهيمن اقتصاديا وسياسيا على نخبة الحكم الأميركية. وقد ظل هذا الفصيل يتنبأ طوال السنوات الماضية بانهيار النظام النقدي والمالي الدولي, وحدوث انفجار في العلاقات السياسية الدولية, بما في ذلك انسلاخ أوروبا عن أميركا, وشيوع حروب عالمية متعددة ومتوازية بهدف التخلص من الأزمات العميقة التي يعانيها النظام الدولي, كما حدث في الحربين العالميتين السابقتين. وبوجه أعم تنتمي هذه المؤسسة البحثية إلى فلسفة أو مدرسة أوروبية تشاؤمية كانت تصعد وتهبط ولكنها لم تختف أبدا تقول بنبوءة انهيار أو اضمحلال الحضارة الغربية, بل ودخول العالم إلى أزمة ممتدة قد تكون طويلة المدى ومدمرة بصورة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية. ولم تصدق هذه النبوءة حتى الآن.
إذن نستطيع أن نطمئن القراء بأن شهر مارس الحالي لن يشهد هذا الانهيار أو هذا الانفجار العالمي المريع. ولكن هذا لا يعني أن الأوضاع العالمية مطمئنة سواءً من الناحية الاقتصادية أم السياسية. فبديهي أننا نعايش احتقانا غير مسبوق منذ انفجار الحرب العالمية الثانية, وأن هذا الاحتقان يزداد سوءا, وبصورة خاصة في العلاقات الإسلامية- الغربية. ولكن الانفجار ليس هو التعبير الوحيد المتوقع لهذا الاحتقان في البيئة الدولية.
ومن الواضح أن نبوءة الانهيار أو الانفجار تأسست على توقع أن تقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الطرفان معا (وهو احتمال أقل بكثير) بضرب المنشآت النووية الإيرانية عسكريا. إذ تروج توقعات بأن ترد إيران بعنف على أكثر من مستوى. والرد العسكري بذاته قد يفجر سلسلة من العمليات الثأرية المتبادلة بما يقود إلى التهابات شديدة في المشاعر الشعبية الإسلامية والأوروبية, ومن ثم إلى سلسلة لا تتوقف من الأزمات العالمية. ولكن الرد الاقتصادي قد يكون أسوأ أثرا, حيث يتوقع أن يتخطى سعر برميل النفط حاجز الـ100 دولار, وهو ما يوقف فعليا النمو الاقتصادي في أوروبا والصين والهند, ومن ثم يقود إلى أزمة اقتصادية عالمية.
ورغم أن هذه التوقعات ليست خرافية تماما, فهي مبالغ فيها كثيرا. فأولا ليس من المرجح أن تأخذ أميركا بالسيناريو العسكري, وإن حدث فلن تستطيع إيران أن تتوقف طويلا عن تصدير نفطها, كما أن المنتجين الآخرين يمكنهم التعويض جزئيا عن نقص المعروض ولو لفترة وهو ما حدث فعلا أثناء الحرب العراقية- الإيرانية. ورغم الالتهاب المؤكد في المشاعر الإسلامية حال تعرض إيران لضربة عسكرية, فليس من المرجح أن تنأى دول الخليج بنفسها كثيرا عن الولايات المتحدة, نظرا لخشيتها الشديدة من البرنامج النووي الإيراني. ومن غير المرجح أن تندفع إيران إلى سلسلة لا تنتهي من أعمال الثأر حتى لا تخاطر بتدمير شامل لهياكلها العسكرية والمدنية, كما حدث للعراق. ومن المرجح أن تستخدم أسلوب الرد المحسوب أو المقدر وليس رد الحرب الشاملة.
والواقع الاقتصادي الدولي سيئ بالفعل وحافل بعوامل الأزمة, بسبب سيادة الحسابات الطفيلية لحركة المال ومكاسب المضاربة بأكثر من النمو الحقيقي للإنتاج والإنتاجية. وتجبر الولايات المتحدة العالم كله على تمويل نموها الخاص من خلال السطو على مدخرات الآخرين. ولكن ذلك لم يمنع هؤلاء الآخرين من استمرار تمويل عجز الميزان التجاري بل وعجز الموازنة الأميركية, وذلك لأن هذا هو أفضل الخيارات مقارنة بالسماح بانهيار الاقتصاد الأميركي. وليس صحيحا أن النمو الاقتصادي الأميركي طفيلي, فنمو الإنتاجية هناك هائل بكل المقاييس, وباختصار فإن الأزمة الاقتصادية الهيكلية كبيرة, ولكن لا يرجح أن “تنفجر” فقاعة الاقتصاد العالمي – مرة واحدة- كما حدث في آسيا عام 1997.
المرجح أكثر هو أن يشهد النظام الدولي الراهن حالة “تحلل”, وربما “تصدعات” محكومة بهذه الدرجة أو تلك. ويقول بعض الخبراء إن هذا النوع من الأزمات لا يحل وإنما يدار بما ينقل الاختناقات من موقع محتقن إلى موقع آخر أقل احتقانا أو أكثر سيولة, حتى تحل العقدة نفسها بنفسها.
ولكن هذا النوع من التفكير هو ذاته تعبير عن الأزمة, وهو ذاته أحد أسبابها. وتثبت الأزمة الثقافية الراهنة بين الغرب والعالم الإسلامي خطل وجهة النظر هذه وخطرها. المشكلة يجب أن تواجه بصورة سليمة -وهو في تقديري أمر ممكن- وإلا انفجرت حتما في يوم ما من هذا العام أو من عام قريب قادم.

هل العالم فى إنتظار أزمة مالية جديدة؟

بالرغم من تصريح رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جانيت يلين الشهر الماضي بأن حدوث أزمة مالية أخرى على مستوى الانهيار الذي أحاط بالعالم في 2007/2008 أمر مستبعد حدوثه مجددًا “في حياتنا”, يعتقد العديد من محللي البورصة أنه قد تقع كارثة جديدة في غضون أشهر وليس سنوات, وفقًا لما أوردت دويتشه فيله.
جيم روجرز, المؤسس المشارك لمجموعة كوانتم لصناديق التحوط, أخبر موقع بيزنس إنسايدر في شهر يونيو أن انهيار سوق الأوراق المالية سوف يحدث “لاحقًا هذا العام أو العام القادم.” في حوار منفصل مع محطة سي إن بي سي, توقع المستثمر السويسري مارك فابر, الذي لُقب بدكتور دوم, أن بعض أصحاب الأسهم سوف “يخسرون 50% من أصولهم” خلال ما وصفه بـ”طوفان” البيع.
إتهم كلا المستثمران صناع السياسة بتأجيل الأمر من خلال عدم معالجة الضعف الهيكلي في الاقتصاد العالمي في أعقاب الأزمة المالية الأخيرة. لقد حدث الركود الكبير بسبب هبوط في سوق العقارات الأمريكي والذي أدى إلى حالات تعثر جماعية في سوق الرهن العقاري, الذي قدم قروض إسكان لمستهلكين ينطون على مخاطر عالية. ثم تطورت لاحقًا لتصبح أسوأ أزمة مصرفية دولية منذ الكساد الكبير في الثلاثينيات.
في محاولة لتجنب انهيار النظام المالي, قام البنك المركزي الأمريكي وغيره بطباعة تريليونات الدولارات عن طريق خطط التيسير الكمي, وهي الأموال التي تتدفق في أسواق الأوراق المالية وغيرها من الأصول وتشمل العقارات منذ ذلك الحين. أدت فورة الإنفاق الضخمة للاحتياطي الفيدرالي إلى أسعار مرتفعة قياسية وشكاوى من أن المكاسب التي يحققها معظم أصحاب الأصول – أو بعبارة أخرى أغنى 5% – لم تسهم في الاقتصاد الحقيقي.

القروض الطلابية في الولايات المتحدة

أشار محللون آخرون إلى مسببات أخرى للأزمة الجديدة المحتملة, من ضمنها الاقتصاد المديون بشدة للصين, والذي ترتبط به بقية العالم بصورة متزايدة, أو أزمة محتملة يسببها التعثر واسع النطاق في سداد قروض الطلاب في الولايات المتحدة.
وفقًا لصحيفة فاينانشيال تايمز, أصبح سوق القروض الطلابية الأمريكي أكبر من الإنفاق على البطاقات الائتمانية وقروض السيارات بقيمة 1,4 تريليون دولار, بفضل الزيادة في رسوم دخول الجامعة والتعليم. حذرت فاينانشيال تايمز من أن ثمانية مليون من الـ44 مليون متلقي للقروض الطلابية يمرون حاليًا بحالة تعثر, وهي مشكلة من المرجح أن تزداد سوءًا وسط تعافي اقتصادي باهت.
على الرغم من أن المحللين الماليين الآخرين ليسوا متشائمين إلى هذا الحد حول الآفاق الفورية للاقتصاد العالمي, إلا إنهم يتفقون أن الاعتماد الحالي على التيسير الكمي ومعدلات الفائدة شديدة الانخفاض للحفاظ على نمو الاقتصادات ليس مستدامًا.
قالت فران بوايت, المدير التنفيذي لمجموعة بوزيتيف موني, لدويتشه فيله, “نحن نعتمد على أسعار الأصول المرتفعة ونواصل تضخيم تلك الأسعار, إلى جانب المستويات المرتفعة لاقتراض المستهلكين, وهذا يُعد خليطًا سامًا والذي يؤدي إلى اضطراب مالي.”

أزمة مطولة

تجادل بوايت أن دول كثيرة لم تخرج حقًا من الركود الكبير؛ الأمر هو أن صناع السياسة لا يدركون ما حدث حينها كانهيار مستمر. قالت, “إنها جزء من أزمة مطولة, حيث تنخفض مستويات المعيشة والأجور الحقيقية, وتصبح حياة أغلبية الناس أكثر صعوبة,” مضيفة أن العامة يستطيعون أن يروا بوضوح الانفصال بين حياتهم والأسواق المالية وأسواق العقارات التي يتم “ضخها” باستمرار عن طريق التيسير الكمي.
يعتقد خبير الاقتصاد إيان بيج من كلية لندن للاقتصاد أن حدوث أزمة مالية جديدة أمر مستبعد في الوقت الحالي, بسبب محاولات المنظمين لتحسين مراقبة القطاع المالي بأكمله, بدلًا من المؤسسات الفردية فقط.
تُعد معدلات الفائدة المرتفعة مخاطرة أخرى والتي قد تعجل بوقوع تباطؤ اقتصادي أو حتى انهيار العقارات في عدة أسواق من ضمنها الولايات المتحدة, وألمانيا, والمملكة المتحدة وعدة دول آسيوية, حيث يصارع المقترضون – الذي أصبحوا مربوطين بالمعدلات المنخفضة – من أجل التماشي مع تكلفة المعيشة المرتفعة.
في منطقة أخرى من الاقتصاد, قد تتسبب المخاوف المتزايدة المتعلقة بمذهب الحماية الاقتصادية في ضوء وعد الرئيس الأمريكي ترامب بإعادة الوظائف الأمريكية وغيرها من القيود الاقتصادية الممكنة – مثل البريكسيت – قد تتسبب بزعزعة الثقة لدى الشركات والمستهلكين, وتصبح سببًا لحدوث انهيار جديد.



597 Views